محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
12
شرح حكمة الاشراق
لما كان لي داعية الإقدام على إظهاره ، فإنّ فيه من الصّعوبة ما تعلمون . وذلك لكونه علما بما وراء المحسوسات والمتوهّمات المألوفة الغالبة على الطّبائع الإنسيّة ومحتاجا إلى برهان صحيح وكشف صريح . وفي كلّ منهما موانع وشبه يعسر على أكثر الخلق التّخلّص عنها ، لصعوبتها ، إلّا من أيّد بروح قدسيّة تريه الأشياء كما هي ، ولصعوبة العلم الإلهىّ . [ قال سقراط : « لا يعلم العلم الإلهىّ ] إلّا كلّ ذكىّ صبور » ، لأنّه لا يجتمع الصّفتان إلّا على النّدرة ، إذ الذّكاء يكون من ميل مزاج الدّماغ إلى الحرارة ، والصّبر يكون من ميله إلى البرودة ، وقلّما يتّفق الاعتدال الّذى يستويان فيه ويقومان به . وما زلتم ، يا معشر صحبى - وفّقكم اللّه لما يحبّ ويرضى - تلتمسون منّى [ أي : تطلبون ] ، أن أكتب لكم كتابا أذكر فيه ما حصل لي بالذّوق في خلواتى ، أي في حال إعراضى عن الأمور البدنيّة واتّصالى بالمجرّدات النّوريّة ، لأنّ حقيقة الخلوة هي ترك المحسوسات والمألوفات الجسمانيّة وقطع الخواطر الوهميّة والخياليّة . وإلّا فلو كان في بيت خال ، والقوّة الوهميّة والخياليّة عمّالتان ، فهو بعد في فرقة ، لا في خلوة ، ومنازلاتى ، أي : وفي الأحوال السّانحة لي عند اتّصالى بعالم الرّبوبيّة أو ببعض العقول الملكوتيّة . وهي أقسام : فمنها منازلة أنا وأنت ، ومنازلة أنا ولا أنت ، ( 7 ) ومنازلة أنت ولا أنا ، إلى غير ذلك ، ممّا هو مذكور في كتب أرباب التّصوّف من أقسام المنازلات ، فإنّها عبارة عن أحوال تلحق السّالك عند التّجرّد ، فيلحظ عندها أمورا شريفة . من قولهم : « نزل به أمر من الأمور » . ولكلّ نفس طالبة قسط من نور اللّه ، عزّ وجلّ ، قلّ أو كثر ، لأنّ الطّالب يبتدئ من الحواس ، ثمّ يرتقى إلى عالم النّفس ، ثمّ إلى عالم العقل ، ثمّ إلى عالم الرّبوبيّة . فبحسب سموّ السّالك يشتدّ نوره ويكثر ، وبحسب نزوله يضعف ويقلّ . والمعنى : أنّهم سألوني أن أكتب لهم ذوقي ، وأنا طالب ، ولكلّ طالب قسط ، فأنا أكتب لهم ذلك القسط الذّى حصل لي . وهو تواضع منه ، وإلّا فالقسط الذّى ذكره هو قسط العلماء المنتهين ، لا قسط الفقراء المبتدين .